سيد قطب
3756
في ظلال القرآن
التكذيب والتبييت للدعوة ؛ فيوجه إليه تهديدا ساحقا ماحقا ، ويرسم له صورة منكرة تثير الهزء والسخرية من حاله وملامح وجهه ونفسه التي تبرز من خلال الكلمات كأنها حية شاخصة متحركة الملامح والسمات : « ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ، وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً ، وَبَنِينَ شُهُوداً ، وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً ؛ ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ! كَلَّا ! إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً . سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً . إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ . فَقُتِلَ ! كَيْفَ قَدَّرَ ؟ ثُمَّ قُتِلَ ! كَيْفَ قَدَّرَ ؟ ثُمَّ نَظَرَ ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ، فَقالَ : إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ . إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ . سَأُصْلِيهِ سَقَرَ . وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ ؟ لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ ، لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ، عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ . . . » . . وقد وردت روايات متعددة بأن المعنيّ هنا هو الوليد بن المغيرة المخزومي . قال ابن جرير : حدثنا ابن عبد الأعلى ، حدثنا محمد بن ثورة ، عن معمر ، عن عبادة بن منصور ، عن عكرمة ، أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي - صلى اللّه عليه وسلم - فقرأ عليه القرآن ، فكأنه رق له ، فبلغ ذلك أبا جهل بن هشام ، فأتاه فقال له : أي عم ! إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا : قال : لم ؟ قال : يعطونكه ، فإنك أتيت محمدا تتعرض لما قبله ( يريد بخبث أن يثير كبرياءه من الناحية التي يعرف أن الوليد أشد بها اعتزازا ) قال : قد علمت قريش أني أكثرها مالا ! قال : فقل فيه قولا يعلم قومك أنك منكر لما قال ، وأنك كاره له ! قال : فما ذا أقول فيه ؟ فو اللّه ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني ولا أعلم برجزه ولا بقصيده ، ولا بأشعار الجن ! واللّه ما يشبه الذي يقوله شيئا من هذا . واللّه إن لقوله الذي يقوله لحلاوة ، وإنه ليحطم ما تحته ، وإنه ليعلو وما يعلى . . قال : واللّه لا يرضى قومك حتى تقول فيه . . قال : فدعني حتى أفكر فيه . . فلما فكر قال : إن هذا إلا سحر يؤثره عن غيره . فنزلت : « ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً - حتى بلغ - عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ » . وفي رواية أخرى أن قريشا قالت : لئن صبأ الوليد ، لتصبون قريش كلها ! فقال أبو جهل : أنا أكفيكموه ! ثم دخل عليه ! . . وأنه قال بعد التفكير الطويل : إنه سحر يؤثر . أما ترون أنه يفرق بين المرء وأهله وولده ومواليه ؟ هذه هي الواقعة كما جاءت بها الروايات . فأما القرآن فيسوقها هذه السياقة الحية المثيرة . . يبدأ بذلك التهديد القاصم الرهيب . « ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً » . . والخطاب للرسول - صلى اللّه عليه وسلم - ومعناه خل بيني وبين هذا الذي خلقته وحيدا مجردا من كل شيء آخر مما يعتز به من مال كثير ممدود وبنين حاضرين شهود ونعم يتبطر بها ويختال ويطلب المزيد . خل بيني وبينه ولا تشغل بالك بمكره وكيده . فأنا سأتولى حربه . . وهنا يرتعش الحس ارتعاشة الفزع المزلزل ؛ وهو يتصور انطلاق القوة التي لا حد لها . . قوة الجبار القهار . . لتستحق هذا المخلوق المضعوف المسكين الهزيل الضئيل ! وهي الرعشة التي يطلقها النص القرآني في قلب القارئ والسامع الآمنين منها . فما بال الذي تتجه إليه وتواجهه ! ويطيل النص في وصف حال هذا المخلوق ، وما آتاه اللّه من نعمه وآلائه ، قبل أن يذكر إعراضه وعناده . فهو قد خلقه وحيدا مجردا من كل شيء حتى من ثيابه ! ثم جعل له مالا كثيرا ممدودا . ورزقه بنين من حوله حاضرين شهودا ، فهو منهم في أنس وعزوة . ومهد له الحياة تمهيدا ويسرها له تيسيرا . . « ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ » . . فهو لا يقنع بما أوتي ، ولا يشكر ويكتفي . . أم لعله يطمع في أن ينزل عليه الوحي وأن يعطى كتابا كما سيجيء في آخر السورة : « بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً » . . فقد كان ممن يحسدون الرسول -